حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

143

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤيده قول مجاهد : معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي . وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب : المستخفي الظاهر من قولهم : « اختفيت الشيء » أي استخرجته ، والسارب المتواري الداخل سربا بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه . وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول ، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه . ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال : لَهُ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب مُعَقِّباتٌ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته . والأصل معتقبات فأدغمت ، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضا ، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه . والتأنيث للمبالغة نحو « نسابة » و « علامة » ، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة . وقوله : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ليس من صلة الحفظ لأنه لا قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحدا من قضاء اللّه وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل : له معقبات من أمر اللّه يحفظونه ، أو له معقبات يحفظونه ، ثم بين سبب الحفظ فقال : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي من أجل أن اللّه أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما ، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس اللّه إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب . قال ابن جريج : هو مثل قوله تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ ق : 17 ] صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات . وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته . وقيل : المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلا من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين . وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم ؟ قال علماء الشريعة : إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة ، وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعا قويا ، وقد مر في هذا الباب كلام في « الأنعام » في قوله : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً فليتذكر [ الآية : 61 ] . وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس واختاره أبو مسلم الأصفهاني قال : المعقبات الحرس وأعوان الملوك ، والجملة وهي قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم اللّه السر والجهر ، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهرا